لم تعد الحروب الحديثة تُدار بقرارات السياسيين أو جنرالات الميدان وحدهم؛ بل أصبحت تُصاغ خلف شاشات وادي السيليكون ومراكز بيانات نيويورك، حيث تلتقي مصالح "الترويكا الرقمية" (البيانات العملاقة، رأس المال الاستثماري، والسيادة الجيوسياسية الأمريكية) مع الآلة العسكرية الإسرائيلية لتأسيس نمط جديد من الهيمنة العالمية: "الاستعمار الخوارزمي" .
في الأسابيع الماضية، تفكيكنا لكيفية تحول الإنترنت من مساحة معرفية إلى بيئة تشغيلية أمريكية تبتلع السيادة الوطنية للدول. واليوم، يتجلى هذا التحول في أبشع صوره وأكثرها دموية في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة ولبنان، اللذين تحولا عملياً إلى "مختبر مفتوح" لتجربة خوارزميات القتل الذكي، تمهيداً لفرض هذا النظام التشغيلي على العالم بأسره.
تقنين الاندماج ، السيادة العسكرية الرقمية الموحدة
الخطوة الأكثر خطورة على الساحة الدولية لم تعد تقتصر على شحنات الأسلحة التقليدية، بل في "مأسسة" هذا الاندماج التقني؛ حيث جاء مشروع قانون (FUTURES Act) لعام 2026 في الكونجرس الأمريكي ليعيد صياغة التحالف بين واشنطن وتل أبيب.
هذا التشريع لا يهدف لتبادل معلومات استخباراتية، بل يسعى لتأسيس "مبادرة تعاون تكنولوجي دفاعي مشترك" تدمج القواعد الصناعية والأنظمة العسكرية للبلدين في مجالات الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، والأنظمة المستقلة.
هذا الاندماج البنيوي يعني ببساطة جعل المنظومة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية "عقلاً تقنياً واحداً غير قابل للفصل"، وهو ما يحمي هذا التحالف من أي تقلبات سياسية أو ضغوط برلمانية مستقبلية، ويمنح إسرائيل ميزة استثنائية لا تملكها أي دولة أخرى في العالم مع البنتاغون.
غزة ولبنان.. حقل تجارب "النموذج التجاري" للقتل
ما يحدث على الأرض في فلسطين وجنوب لبنان ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو "صناعة برمجية حية".
تكشف البيانات الدولية مؤخراً عن قفزة مرعبة وغير مسبوقة في استخدام جيش الاحتلال للنماذج التجارية التوليدية للذكاء الاصطناعي (مثل خوارزميات التتبع السلوكي والتحليل الإحصائي للأهداف عبر منصات سحابية أمريكية مثل Microsoft Azure وOpenAI وغيرها)، ليرتفع معدل الاستهلاك إلى مئات الأضعاف مقارنة بما قبل الحرب.
البيانات الضخمة المتدفقة من الهواتف، والاتصالات المخترقة، وصور طائرات الدرونز (مثل منظومة Server in the Sky المنشورة حديثاً في الأجواء)، تُضخ بالكامل في خوارزميات القتل التلقائي مثل "The Gospel" و"Lavender" . النتيجة ليست مجرد تدمير لـ 70% من مباني غزة أو سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، بل هي "تدريب مستمر للخوارزمية" على لحم البشر الباقين. يتم اختبار دقة الآلة، وتحديث معاييرها السلوكية، وإعادة صياغة معادلات "الأضرار الجانبية المقبولة" رقمياً بناءً على تجارب حية تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية أو القانونية.
سحابة "نيمبوس" والضلع المالي للترويكا
هذا الهيكل المرعب يحتاج إلى عصب لوجستي يحميه؛ وهنا يأتي دور شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل Google وAmazon) عبر مشروع السحابة المشترك "Project Nimbus" ، الذي تمنح عقوده الحصارية حصانة كاملة للحكومة الإسرائيلية تمنع الشركات ذاتها من قطع الخدمة أو حجب أدوات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه وتتبع السلوك عن الأجهزة الأمنية، حتى في ذروة الأزمات الإنسانية والتنديد الدولي في الأمم المتحدة وجنيف.
وعلى الجانب الآخر، تغلق الصناديق الاستثمارية العملاقة في نيويورك الدائرة؛ فارتفاع القيمة السوقية لشركات المقاولات الرقمية العسكرية (مثل Palantir الشريك الاستراتيجي في الأنظمة الجيومكانية Maven) يثبت أن الحرب في الشرق الأوسط هي الدجاجة التي تبيض ذهباً لأسواق المال الأمريكية. التدفقات النقدية تذهب لتمويل التقنية، والتقنية تُصقل وتسيل دماءً في جبهات الشرق الأوسط، والنتائج تعود لتعزيز قبضة الترويكا الجيوسياسية.
نداء الاستفاقة ؛ السيادة أو العدم الرقمي
إن العالم يقف اليوم أمام معضلة كبرى تمتد من غزة إلى كل عاصمة تحاول الحفاظ على استقلال قرارها. عندما تصبح "القدرة الحوسبية الفائقة" حكراً على قطب واحد، وعندما تتحول البيانات السيادية للدول والاتصالات اليومية للبشر إلى مادة خام لتغذية خوارزميات الحروب الأمريكية-الإسرائيلية، فإن "مفهوم الاستقلال" التقليدي يسقط تماماً.
المعركة القادمة ليست معركة حدود أو معاهدات؛ إنها معركة "البنية التحتية البديلة" . فإما أن تنجح القوى الإقليمية والدولية الصاعدة في بناء إنترنت مستقل، وحوسبة سحابية وطنية، وعقول خوارزمية خارج السيطرة الأمريكية، أو أن العالم بأسره سيجد نفسه قريباً محكوماً بنفس الخوارزمية التي تحدد الآن-بكبسة زر في الوادي السيليكون وبدم بارد في تل أبيب-من يملك الحق في الحياة، ومن يُصنف كـ "هدف" يجب شطبه من نظام التشغيل العالمي.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
-------------------------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






